الشوكاني

20

نيل الأوطار

من الجمع ، وأنه كان يرعى لأهله بغير أجرة ولغيرهم بأجرة ، وهم المراد بقوله : أهل مكة . ويؤيد تفسير سويد قوله على قراريط فإن المجئ بعلى يدل على ما قاله ، ولا ينافي ذلك جعلها بمعنى الباء التي للسببية وأما جعلها بمعنى الباء التي للظرفية فبعيد . قال العلماء : الحكمة في الهام رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرن برعيها على ما سيكلفونه من القيام بأمر أمتهم ، لأن في مخالطتها ما يحصل الحلم والشفقة ، لأنهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفريقها في الرعي ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق ، وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألفوا من ذلك الصبر على الأمة ، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها ، فجبروا كسرها ورفقوا بضعيفها وأحسنوا التعاهد لها ، فيكون تحملهم لمشقة ذلك أسهل مما لو كلفوا القيام به من أول وهلة لما يحصل لهم من التدرج بذلك ، وخصت الغنم بذلك لكونها أضعف من غيرها ، ولان تفرقها أكثر من تفرق الإبل والبقر لامكان ضبط الإبل والبقر بالربط دونها . ( وفي الحديث ) دليل على جواز الإجارة على رعي الغنم ويلحق بها في الجواز غيرها من الحيوانات . وعن سويد بن قيس قال : جلبت أنا ومخرمة العبدي بزا من هجر ، فأتينا به مكة فجاءنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمشي فساومنا سراويل فبعناه وثم رجل يزن بالاجر فقال له : زن وأرجح رواه الخمسة وصححه الترمذي ، وفيه دليل على أن من وكل رجلا في إعطاء شئ لآخر ولم يقدر جاز ، ويحمل على ما يتعارفه الناس في مثله ، ويشهد لذلك حديث جابر في بيعه جمله : أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : يا بلال اقضه وزده ، فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطا رواه البخاري ومسلم . وعن رافع بن رفاعة قال : نهانا النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن كسب الأمة إلا ما عملت بيديها وقال هكذا بأصابعه نحو الخبز والغزل والنفش رواه أحمد وأبو داود . حديث سويد بن قيس سكت عنه أبي داود والمنذري ، وأخرج نحوه أبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي صفوان بن عمير ، وقد تقدم في كتاب اللباس . وحديث رافع ابن رفاعة إسناده ثقات ، ولكنه قال أبو القاسم الدمشقي الحافظ في الاشراق عقب هذا الحديث : رافع هذا غير معروف ، وقال غيره : هو مجهول ، وقد أخرجه أبو داود